شكيب أرسلان

203

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

أفاض في موضوعه أصحاب التواريخ المارّ ذكرها . ومع كلّ هذه الأحاديث بقي أناس لا يطمئنون إلى روايات النهي عن صيد وجّ ، فقد نقل صاحب « تحفة اللطائف » عن الميورقي أنّه سأل الشيخ محمد بن عمر القسطلاني إمام المالكية في وقته : هل رأيت في مذهب مالك مسألة في صيد وجّ في الطائف ؟ فقال : لا أعرفها ، ولا يسعني أن أفتي بتحريم صيدها إلا بالحديث ، ليس فيها من الأحاديث التي يبتني عليها التحريم والتحليل « 1 » . موقع الطائف وهواؤها وماؤها وأما فضل الطائف في صقعها وجودة مائها وهوائها ، فهو مما تواطأ عليه المحسوس والمأثور ، ولست بمستغرب قول بعض المفسرين لقوله تعالى لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] . إن المراد بالقريتين مكة والطائف . وكذلك أنا استحلي ما رواه صاحب « تحفة اللطائف » من قول بعضهم : إنّ الطائف من تعاليق مكة ، أي من مضافاتها ، وعندنا في برّ الشام إذا بنيت قرية في طرف قرية نسبت إليها ، وقيل : إنها معلقة لها ، فيقال مثلا : معلقة زحلة ، ومعلقة الدامور وهلم جرا ، فما أجدر الطائف بأن يقال لها : معلقة مكة ، ولعمري لنعم المعلقة هي ، ولا نزاع أنّهما في الأمصار كالمعلقات السبع في الأشعار .

--> ( 1 ) قال النووي في « شرح المهذب » : وأمّا حديث صيد وجّ ، فرواه البيهقي بإسناده عن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ألا إنّ صيد وجّ وعضاهه - يعني شجره - حرام » وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا ، لكنّ إسناده ضعيف . قال البخاريّ في « تاريخه » : لا يصح ، ثم ذكر الخلاف في وجّ ، هل هو واد بالطائف أو بلد .